

عندما أسدل الستار على كأس العالم FIFA قطر 2022، لم يكن مشهد الأسطورة الأرجنتينية ليونيل ميسي وهو يرفع الكأس مرتديا "البشت" العربي الخليجي وحده الخالد في أذهان العالم، بل كانت التجربة الاستثنائية التي أعادت تعريف مفهوم تاريخ تنظيم المونديال برمته.
وقبل أيام من انطلاق النهائيات المونديالية الأضخم في التاريخ، التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا بمشاركة قياسية تبلغ 48 منتخبا، وللمرة الأولى في ثلاث دول، لا بد أن تبرز المقارنات في ظل التغيير الكبير الذي طرأ على ملامح البطولة.
وما قدمته دولة قطر قبل أربع سنوات كان نسخة مونديالية مختلفة، مكثفة، متقاربة، سهلة الحركة، ومرتبطة بهوية ثقافية واضحة، جعلت كثيرين يصفونها بأنها واحدة من أفضل نسخ كأس العالم في التاريخ الحديث، أما المونديال القادم فيبدو مختلفا تماما؛ أكثر اتساعا وتعقيدا، وبحجم قارة كاملة، وبصيغة مغايرة من جميع النواحي، سواء التنافسية أو الجماهيرية أو التنظيمية.
في قطر، كانت كرة القدم تعيش داخل مدينة واحدة تقريبا، بفضل المسافات القصيرة بين الملاعب، ما منح الجماهير فرصة نادرة لحضور أكثر من مباراة في يوم واحد، ولم يكن المشجع بحاجة إلى رحلات جوية أو تنقلات مرهقة من أجل متابعة فريقه، فكل شيء كان قريبا؛ الفنادق، والملاعب، ومناطق المشجعين، ووسائل النقل، وهو ما خلق أجواء جماهيرية متواصلة على مدار اليوم، وجعل البطولة تبدو وكأنها مهرجان كروي متصل لا يتوقف.
ولم يكن الأمر بتلك السهولة بطبيعة الحال، بل كان نتيجة جهود مضنية بذلتها مؤسسات الدولة كافة على مدار 12 عاما، كي يخرج الحدث بذلك المستوى من التحضر والرقي، عبر بنى تحتية من طراز فريد وملاعب أيقونية غير مسبوقة، حتى ذهل العالم بنتائج التجربة التي عاشتها الجماهير والمنتخبات بكل مستجداتها وخصوصا فيما يتعلق بميزة التقارب الجغرافي التي أصبحت حجر الزاوية في عقد أي مقارنة لاحقة.
أما في مونديال 2026، فستتغير الصورة بالكامل، حيث تقام البطولة في ثلاث دول و16 مدينة، تمتد من كندا شمالا إلى المكسيك جنوبا، ومن الساحل الشرقي للولايات المتحدة إلى الساحل الغربي، ما يعني أن الجماهير والمنتخبات ستواجه رحلات طويلة تمتد أحيانا لآلاف الكيلومترات بين مباراة وأخرى، وهنا سيظهر الاختلاف الجوهري بين نسخة مضغوطة ومركزة، وأخرى عملاقة بحجم قارة بأكملها.
ولا يتوقف الأمر عند الجغرافيا فقط، بل يمتد إلى شكل البطولة ومضمونها التنافسي، فمونديال 2022 كان آخر نسخة بالنظام التقليدي الذي ضم 32 منتخبا و64 مباراة، في حين أن مونديال 2026 سيقام بمشاركة 48 منتخبًا و104 مباريات، الأمر الذي حول المنافسة إلى حدث أكثر ضخامة.
صحيح أن التوسع منح فرصا أكبر لمنتخبات جديدة للمشاركة، لكنه في الوقت نفسه فرض تحديات كبيرة تتعلق بالإرهاق البدني، وكثافة المباريات، وصعوبة التنقل، سواء بالنسبة للاعبين أو الجماهير.
وتبقى أبرز الفوارق في خروج مونديال قطر عن التقاليد، من خلال إقامة البطولة خلال شهري نوفمبر وديسمبر، وهي خطوة كانت قبل انطلاق البطولة مثار جدل عالمي واسع، قبل أن تتحول لاحقا إلى واحدة من أبرز نقاط القوة التي ساهمت في خصوصية مونديال قطر وتفرده، فقد وصل اللاعبون إلى المنافسات وهم في منتصف الموسم، ما انعكس إيجابا على الجوانب البدنية والفنية، وظهرت المنتخبات بحالة أفضل مقارنة ببطولات سابقة أقيمت بعد مواسم مرهقة، في المقابل، سيعود مونديال 2026 إلى موعده الصيفي المعتاد، ما يعني أن اللاعبين سيخوضون المنافسات بعد نهاية موسم طويل وشاق، وهو ما قد يرفع معدلات الإرهاق والإصابات ويؤثر على جودة الأداء، خصوصًا في الأدوار المتقدمة.
وفي السياق ذاته، يبرز عامل الطقس، حيث كانت الظروف المناخية في قطر متشابهة إلى حد كبير بين الملاعب، مع السيطرة على مختلف المتغيرات بفضل تقنيات التبريد الحديثة، أما في مونديال 2026، فسيكون التنوع المناخي أحد أبرز التحديات، حيث ستقام بعض المباريات في أجواء حارة ورطبة بمدن مثل ميامي وهيوستن الأمريكيتين، فيما ستلعب مباريات أخرى في أجواء أكثر برودة في كندا والمدن الشمالية، إضافة إلى تحدي الارتفاع الكبير عن سطح البحر في مدينة مكسيكو سيتي، ما يفرض على المنتخبات التأقلم المستمر مع ظروف مختلفة.
وعلى مستوى التجربة الجماهيرية، سيكون المشهد مختلفا أيضا، ففي مونديال قطر عاش أكثر من ثلاثة ملايين و404 آلاف مشجع البطولة بشكل يومي متواصل، مستفيدين من سهولة الوصول إلى الملاعب عبر المترو والحافلات، فيما كانت مناطق المشجعين تعج بالحياة على مدار الساعة، ما شكل تجربة فريدة من نوعها، أما في كأس العالم المقبلة، فستكون الأمور أكثر تعقيدا، على الأقل بسبب الحاجة إلى التنقل الجوي بين المدن والدول، فضلا عن اختلاف القوانين والعملات والثقافات بين البلدان الثلاثة المستضيفة.
ولا شك أن المقارنات ستتسع أكثر بعد إسدال الستار على مونديال 2026، لأن الاختلاف لن يكون بين بطولتين فقط، بل بين فلسفتين مختلفتين في التنظيم. فقد قدمت دولة قطر بطولة قريبة، مكثفة، وسهلة الحركة، جعلت الجماهير تعيش كرة القدم في مساحة جغرافية محدودة، وسط تحديات جديدة كان كثير منها يحدث للمرة الأولى، وكانت النتيجة نجاحا مبهرا، أما نسخة 2026 فستكون عملاقة بأرقام قياسية من حيث عدد المنتخبات والمباريات والدول المستضيفة، ويبقى الرهان على النتائج النهائية للتجربة، وعندها سيكون السؤال الأبرز: هل كانت البطولة المتقاربة أكثر مثالية، أم أن البطولة الموسعة الأكبر في التاريخ ستنجح في فرض نموذجها الجديد؟ الإجابة، كما هي الحال دائما مع كأس العالم، سيكتبها التاريخ.